Archive for the ‘إرهاصات فكرية’ Category

الليبرالية كقيمة إسلامية

يتصادم الكثير من المفكرين اليوم عند الحديث عن الليبرالية وعلاقتها بالإسلام، ومدى ارتباط المفاهيم الليبرالية بالأصول العقدية الإسلامية، وفيما يؤمن الكثيرون بأن الليبرالية كفر بواح، واتجاه مخالف لأهم أركان الدين، يرى المعارضون لذلك، الليبرالية كمنهج مستقل يتغذى من أفكار الحرية ولا يرتبط بالضرورة بمفاهيم الإسلام.

لكن أياً من الفريقين لم يحاول في الغالب البحث في العلاقة بين الإسلام والليبرالية بصورة محايدة وذلك بسبب رجوع كل منهما إلى آيدولوجياته الخاصة في ترجيح ما يعتقده صواباً، وذلك إخلال صريح بمنهجية البحث العلمي الرصين القائم على التحرر من العاطفة واتباع خطوات التفكير العلمي المجردة.

ومن منظور محايد، فإن الليبرالية يمكن تجسيدها كقيمة أكثر منها كمنهج وتيار، وذلك شيء ضروري لمقارنة المفاهيم الليبرالية والإسلامية ولكي لا يصبح الحديث عن الليبرالية كمصطلح وتُنسى دلالته، وكذلك لأن أغلب القيم الليبرالية فطرية جداً لدرجة أنني لا أبالغ إن وصفتها بأنها من المقاصد الأساسية للشريعة، ولأن الإسلام دين عالمي متجدد وصالح لكل مكان وزمان بحيث يستطيع استيعاب أي مفهوم مستحدث في إطار الطبيعة البشرية الفطرية.

لذا فعند الحديث مثلاً عن مفهوم الحرية في الليبرالية كعمود أساسي كما يؤكد جون لوك الذي تنسب له الليبرالية في وصفه للحالة الطبيعية للأفراد بأنهم “يولدون أحراراً”، نجد مقابلها جلياً في الإسلام سواء في القرآن والسنة: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} وقوله: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، أو في آثار السلف كقول عمر بن الخطاب: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”.

وكما أن الليبرالية قامت على تحرير الفرد من القيود وحمايته من النزعات السلطوية لضمان حريته السياسية والثقافية والاقتصادية والفكرية، فإن الإسلام انطلق من هذه المباديء، حيث كانت المطالب الأساسية لدعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- تتلخص في قوله لقريش: (خلوا بيني وبين الناس)، وهذا القول بالذات ينطوي على العديد من المفاهيم الليبرالية الأساسية كحرية الفرد الفكرية والدينية، كون النبي انتهج فكراً جديداً وديناً آخر غير الوثنية، وحرية الرأي والتعبير كونه طلب ضمان قريش لحريته في التعبير عن أطروحته الدينية الناشئة.

وينطبق ذلك على القيم الليبرالية الأخرى كاحترام قيمة الإنسان وقدسية الفرد، حيث دلت عليها أقوال كثيرة كقوله تعالى {ولقد كرمنا بني آدم}، وكما أن الليبرالية تتمحور حول الفرد فإن الإسلام جعل من الفرد منطلق كل شيء، لدرجة أن علي بن أبي طالب يقول عن الإنسان:

أتحسب أنك جرمٌ صغيرٌ؟ … وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ

وفي الليبرالية أيضاً يكون جميع الأفراد متساوون أمام القانون ولهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، والدولة تقوم فقط برعاية شؤون الأفراد عبر المرجعية القانونية التي اتفق عليها الحاكم والمحكوم والتي تضمن صيانة الحرية الفردية داخل ذلك الإطار.

هذه المساواة القانونية هي من أساسيات الشريعة التي تطالب بعدم التفريق بين الأفراد أمام التشريعات، ودلت عليها أقوال كثيرة كقول النبي (إنما أهلك من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) وكانت صحيفة المدينة المنورة مثالاً لمرجعية دستورية تنظم العلاقة بين السلطة والشعب.

كما تتقاطع الليبرالية مع الديموقراطية في تكريس سيادة الشعب والفصل بين السلطات وأن الأمة هي مصدر تلك السلطات كما يؤكد ذلك جون لوك، وذلك عبر عقد اجتماعي يضمن صيانة حق الفرد، وذلك العقد الاجتماعي الذي وُجد منذ أيام أفلاطون حتى عصر جان جاك روسو يعرّفه المفكر محمد عابد الجابري بأنه “تنازل الأفراد، للمجموعة التي تتشكل منهم، عن الحقوق الطبيعية التي كانوا يتمتعون بها في الحالة الطبيعية في مقابل حقوق مدنية تضمنها لهم الهيئة العامة المجردة المسماة الدولة”.

وذلك العقد الاجتماعي طبق في بيعة العقبة الثانية التي كانت بمثابة عقد بين الحاكم والمحكوم، وبذلك وجدت في الدولة النبوية بالمدينة أسس الحرية من شورى ومشاركة في بناء الدولة واختيار للحاكم وضمان لحرية الأفراد وحماية للأقليات من وثنيين ويهود وغيرهم. كما رسخت الخلافة الراشدة بعد ذلك مبدأ فصل السلطات وكان القضاء مستقلاً تماماً ويستطيع محاسبة الخليفة كما حدث لعمر بن الخطاب.

المؤسف أن الليبرالية السعودية -إن جاز التعبير- بصورتها الحالية انسلخت عن الليبرالية الحقيقية وأصبحت في المجمل مجرد تكريس لرغبات شهوانية وانفلات أخلاقي غير مبرر، وذلك شوّه الصورة الأصلية لليبرالية حيث أن الكثير ممن يصنّفون أنفسهم كليبراليين سعوديين لا ينتمون بأي شكل لليبرالية، بل ويمثل بعضهم مرادفاً للتطرف لكن بغلاف لا أخلاقي.

وكما يمتطي المتشددون الإسلام لتبرير انغلاقهم، يمتطي المنحرفون الليبرالية لتبرير تصرفاتهم، وبين الفريقين يوجد أولئك العقلاء الذين لا يسمحون لأحد بسرقة عقولهم، ويستخدمونه أفضل استخدام لمعرفة الحق بين هذا وذاك، في إطار الحرية التي رُسمت في الدولة النبوية قبل جون لوك وفولتير وجون ستيوارت مل وجان جاك روسو بألف عام.

Popularity: 29% [?]

شموع من الحرية

في بيئة يغيب عنها العلم، تنتشر الخرافة بسرعة ويصبح الغيب هو المحرك الأول للعقل. حينها يكون الإيمان بما يعتبر مسلّمات غيبية أهم بكثير من بحث الواقع العلمي والعملي، ويتم تفسير الظواهر الطبيعية تفسيراً خرافياً أو ميثولوجياً، كما يتم إهمال أية محاولة لإثبات فرضية تلك الغيبيات بشكل علمي. أما التشكيك فيما يعد ثوابت ، أو محاولة البحث عن الحقيقة فذلك أشبه بالكفر والإلحاد، والخروج عن نواميس الطبيعة.

وفي عصور الظلام وما تلاها من القرون الوسطى، كان العالم الغربي يعيش غيبوبة فكرية وعلمية وصلت إلى حد قتل كل من يتبنى نظرة جديدة لا توافق الفهم الكاثوليكي للحياة، مما أدى إلى تخلف حضاري عميق لحق العالم الأوروبي وأبقاه لقرون طويلة في مؤخرة ركب الأمم.

في مقابل ذلك كانت دولة الأندلس منارة للعلم والثقافة والأدب في أوروبا، حتى أن فلاسفة وعلماء ذلك العصر وخريجي الجامعات العريقة كأكسفورد كانوا يحثون الخطى نحوها للنهل من بحر علومها.

وعند الحديث عن أسرار ذلك التفوق العظيم، لا يمكن أن ننحي الحرية جانباً، ففي الأندلس كانت جميع العلوم متاحة وحرية البحث تفوق بكثير العالم الغربي والشرقي، لذلك فقد كانت بيئة خصبة لبزوغ العلوم والفنون والآداب، حتى تفوق المسلمون في علوم الفلك والفيزياء والفلسفة والموسيقى والطب وغيرها.

ولأن البحث فيما وراء المسلّمات وسبر أغوار العلوم لتفسير كل شيء، كان تهمة لا تغتفر منذ أيام الإغريق، فقد قُتل سقراط بسبب علمه وفلسفته، ولم تحل عبقرية غاليليو وابتكاراته العظيمة دون ملاحقته بتهمة الهرطقة في عصور الظلام، في حين كانت تهمة الزندقة تفتك بابن المقفع وغيره من الفلاسفة والعلماء في المشرق.

ولا يمكن لمنصف أن ينكر أن عبقرية الغرب وإبداعه في العصور المتأخرة ظهرت حين تحرر من كل القيود المعرفية، وتخلى عما اعتبرها مسلّمات لا يمكن مناقشتها، فأعاد التفكير في كل شيء، وشكك في كل شيء لا يمكن إثباته نظرياً أو عملياً، وكانت هذه أولى شموع العلم التي أوقدتها الحرية.

ولكي نلحق الركب، يجب أن نتحرر أولاً من سطوة الأفكار البالية التي ورثناها، ونحرر عقولنا من مستعمرها، ثم نطرح الأسئلة. الذين يطرحون الأسئلة هم الذين يفجرون الدنيا، وهم أكثر الناس خطراً، سؤال واحد قد يكون أخطر من ملايين الأجوبة.

وحتى لا نعود إلى عصر ما قبل فلاسفة الإغريق، حين كان العالم يفسر كل شيء تفسيراً أسطورياً كصراع بين آلهة الخير وقوى الفوضى، وحتى لا نفقد ما بقى من العقل العربي، فإننا بحاجة ماسة إلى إعماله من جديد، وإيقاد شمعة صغيرة تحرر أفكارنا من سلطة التسليم المطلق، لتنتقل إلى دائرة الشك في كل ما يمكن الشك فيه.

حدسك الشخصي قد يخدعك، والموروثات التاريخية من أكثر الأشياء التي يجب ألا تثق بها، الغالبية سيدوّنونها ويحرفونها لتتفق مع وجهة نظرهم الشخصية. لذا فالطريقة المثلى للتأكد من صحة أية مزاعم هي إزالة هالة القدسية التي تحيط بها ثم إخضاعها للتجربة على طاولة الفحص. ولكي تصل إلى اليقين، فإن عقلك هو الشيء الوحيد في الكون الذي ينبغي أن تثق به.

Popularity: 22% [?]

المرأة، مجلس الشورى، وأشياء أخرى

@ أعتقد أن أسوأ كابوس قد يوقعك به القدر هو أن تصبح امرأة سعودية في بلد يهيمن عليه الذكور في كل مناحي الحياة. وفي ظل تهميش كلي للمرأة وتعطيل لطاقاتها بدءاً من عدم السماح لها بإنجاز أبسط أمورها لوحدها وانتهاءً بعدم قدرتها على تقرير مصيرها، يصبح تخيل عيشك كامرأة سعودية أشبه بالجحيم!

@ لا أعتقد أن الموافقة على وصول المرأة لمجلس الشورى ومشاركتها في الترشح والانتخاب للمجالس البلدية هو أمر تم إقراره فقط من أجل التوسع في إشراك المرأة سياسياً واجتماعياً، وإن كان ذلك عاملاً مهماً، إلا أنها تبقى طبخة سياسية ترمي لأهداف أبعد من ذلك.

@ أتسائل بمشروعية، كيف يسمح للمرأة بالوصول إلى مناصب كبيرة سياسياً والتلويح بورقة تمكين المرأة من المشاركة السياسية والاجتماعية ومع ذلك لا تتوفر لها أبسط حقوقها كالتخلص من سلطة الوصيّ؟ ذلك يشبه أن تعطي أحدهم قصراً لم يطلبه ولم يسعَ إليه، بينما ترفض بكل شدة منحه سيارة صغيرة يقضي بها حوائجه الأساسية!

@ أعتقد أن مواقف الملك عبدالله تجاه المرأة جيدة وتؤشر عن عزم حقيقي لإبراز دورها، لكن يجب ألا نغفل أن المطالبات الحالية هي حقوق كانت موجودة منذ زمن بعيد وتم سلبها من جهات مختلفة ومعروفة. لذلك فالرتم البطيء في إعادة تلك الحقوق تعني استمرار تعطيل ٤٩٪ من طاقات المجتمع إلى أجل غير مسمى.

@ البعض غير آرائه القديمة بسرعة، انظروا إلى رأيهم في انضمام المرأة لمجلس الشورى والمجالس البلدية قبل وبعد خطاب الملك، لا يمكنك إلا أن تضحك على تلك البرغماتية التي يمارسها أناس يضللون الرأي العام باستمرار ويغيرون مواقفهم ومبادئهم حسب اتجاه الأحداث. أنا واثق أن عبدالحليم كان يصفهم حين غنى (على حسب الريح ما تودّي .. ويّاك انا ماشي .. ماشي ولا بيدّي)!

@ البعض الآخر مغتاض جداً من كون المرأة تتحرر شيئاً فشيئاً من سلطته، فهذا الشيء يعني فقدانه للعديد من المكاسب المادية والمعنوية، ويعني تحرر الكائن البشري البغيض الذي يربض على قلبه وينغص عيشه والمسمى مجازاً امرأة!

@ يوقف الكاتب عبدالعزيز السويد ورئيس تحرير صحيفة المدينة فهد العقران بسبب مقال في الصحيفة. تمنح المرأة حق المشاركة في مجلس الشورى والمجالس البلدية. يحكم على امرأة بالجلد بسبب قيادتها للسيارة. يوقف تنفيذ الحكم! كل هذه الأحداث المتناقضة خلال أسبوع ونصف فقط، ألا ترون في ذلك شيء من محاولة إيجاد توازن للقوى المتنافسة من التيارين الإسلامي والليبرالي؟

@ أنا لا أرى ذلك وحسب، بل هي خطة دقيقة لإشغال الرأي العام بذلك الصراع التياري القديم، وتأجيجه من جديد، خاصة بعد أن أثيرت قضايا حساسة على السطح مثل أزمة السكن وقضية المشاركة السياسية. دققوا في الأخبار القادمة ولاحظوا التوازن المدروس وتقاذف الكرة بين الجهتين بعد كل حدث مهم يشغل الرأي العام.

@ لمصلحة من، يبقى الصراع مفتوحاً منذ عشرين عاماً حول قضية مثل قيادة المرأة؟ ألم تتسائلوا يوماً، من المستفيد في جعل هذه القضية ميدان قتال بين الإسلاميين والليبراليين؟ لماذا تظل الأمور عائمة ولا يتم حسمها؟

@ بحثت كثيراً ولم أجد دليلاً شرعياً واحداً يعطي للرجل حق السيطرة على نساء وطنه، لذا أتمنى ألا يتشبث هؤلاء بالدين وليتحدثوا فقط عن عاداتهم وتقاليدهم البالية!

@ كانت الصحابيات يركبن الجمال والخيول، ولاحظوا ما في ذلك من خطر تكشفهن أمام الرجال، بالإضافة لعدم وجود ساتر يحجبهم عن الآخرين كما هو موجود بالسيارات اليوم، ومع ذلك لم يمانع أحد من الصحابة ركوبهن، بل كانوا أكبر من الحديث في مثل هذه الترهات. في الواقع، أحمد الله أن أولئك الممانعين لم يكونوا موجودين أيام رسولنا الكريم، فلست أعلم ماذا ستكون مطالبهم وكيف ستكون ردة فعلهم وقتها!

@ أتفهم أن يأتي رجل ويرفض تحرير المرأة من سلطته المطلقة، لكن أن تفعل ذلك امرأة، وتقاتل من أجل سلب حقها، فذلك شيء يتجاوز قدرتي على الفهم!

Popularity: 26% [?]

عيب وشق جيب!!

نورة، طالبة سعودية مبتعثة تدرس الماجستير في أمريكا، تحاول جاهدة أن تحقق ذاتها، وترفع رأس وطنها، وتورث شيئاً من الفخر في نفوس أهلها وزوجها الذي وافق على ابتعاثها برغم معارضة بقية الأقارب الذين رفعوا شعار (تبونا نقول للناس ان فلانة بنت فلان سافرت امريكا تدرس)!

تستيقظ نورة صباحاً لتتولى مهمة تحضير الأكل لها ولزوجها الذي يرافقها، وبعد الإفطار ترتدي حجابها الذي يبرز قسمات وجهها الطفولي، ثم تتدثر بـ (بلوزة) طويلة تنسدل لتغطي الجزء العلوي من بنطلونها الجينز الذي اشترته من متجر ملابس فاخر بالرياض. وبعد أن يكملان استعداداتهما ليوم دراسي حافل، ينطلقان إلى الجامعة عبر سيارة متوسطة الثمن تقودها نورة باحتراف وذوق عاليان، مبتهجة برخصة القيادة التي حصلت عليها من أمريكا.

كان اليوم روتينياً كباقي أيام الدراسة، فما أن وصلت نورة وزوجها خالد إلى بهو الجامعة حتى استقبلهما زميلهما الأمريكي (جون) والذي كان يحفز همة نورة كي تحث الخطى نحو قاعة الدرس، فالمشروع الذي كلفهم به البروفيسور كان على شكل مجموعة من أربعة أشخاص، ضمت إلى جانب نورة وخالد وجون، زميلهم الطالب السعودي محمد الذي يشاركهم نفس المادة.

وبعد أن انتهت نورة من محاضرات الجامعة المرهقة، دلفت وزوجها إلى مطعم قريب ليتناولا فيه وجبة الغداء، ثم تابعا طريقهما إلى النادي الصحي الذي يتمرن فيه خالد كل عصر، وانطلقت هي إلى مكتب العقار لتناقش مع صاحب المكتب بعض الأعباء الإضافية التي وافق أخيراً على إنزالها عن كاهلهم قائلاً: أنتِ يانورة مثال للمسلمة الطموحة والمحترمة، التي لا تتنازل عن حقوقها، فليبارككِ الرب!

كانت أيام الدراسة مليئة بالفوائد لنورة وزوجها، تعلمت فيها نورة كيف تعتمد على نفسها وتنزع عنها الخوف والرهبة، لتناقش وتأخذ وتعطي وفي نفس الوقت لا تتنازل عن ثوابتها ولا تساوم حول مبادئها. وكان الجميع يثني على تمسكها بحجابها وأدبها الجم وتعاونها مع زملائها وروحها المرحة، كانت سنوات ثلاث تضج بالذكريات الجميلة والمشرفة، ليعودان أخيراً للرياض، معشوقتهما!

وما أن حطت أقدام نورة للرياض حتى تلقت تقريعاً من زوجها لأنها نسيت أن تغطي وجهها، مع أنه كان يثني على حجابها المحتشم عندما كانا في أمريكا! ثم تلقت محاضرة أخرى عن عدم الإكثار من الكلام مع موظفي المطار والجوازات، وذلك تحت ذريعة أن الحديث مع الرجال الأجانب حرام وعيب وشق جيب! تعجبت نورة لأن ذلك لم يكن يُمارس معها طيلة الثلاث سنوات الماضية التي كانت تنهي فيها جميع الإجراءت بنفسها دون وصي، لكنها لم تأبه كثيراً!

عندما وصلت نورة إلى البيت كادت أن ترتكب حماقة أخرى حين دخلت البيت دون أن تنتظر دخول زوجها أولاً لوجود الكثير من الرجال الذين اعتادت رؤيتهم في أمريكا والحديث معهم دون ريبة، اكتفى خالد هذه المرة بنظرة حانقة!

كانت نورة تقضي وقتها بين تصفح الإنترنت والتلفزيون، ولا تتحدث أبداً عن الذهاب للسوق وحدها، بعد المشكلة التي حصلت لها حين ذهبت للسوق ومنعت من دخول بعض المطاعم لعدم وجود محرمها، بل وتعرض لها بعض الشباب مبررين تصرفهم بأنها (قليلة حيا) لأنها ذهبت لوحدها، مع أنها كانت محتشمة، وتعجبت كثيراً لغياب قوانين التحرش!

ومع مرور الأيام، بدأ الشيب يغزو رأس نورة، ولم يكن ذلك بسبب تقدمها في العمر، بل لأنها فكرت في العمل، وبدأت سلسلة طويلة من المفاوضات ليس للتقديم على الوظائف، بل لمحاولة التملق لزوجها كي يوافق على تخليص بعض إجراءاتها وإعطائها الموافقة اللازمة، كما أن جميع أمورها لن تتم إلا بوجود إذن من زوجها أو بحضوره كمحرم، وأكثر الوظائف ستُرفض بحجة الاختلاط، فقررت أخيراً نسيان هذه الفكرة الغبية، لا سيما أن راتبها في نهاية المطاف سيكون في جيب زوجها!

ألغت نورة كل طموحاتها وتفرغت للبيت وإنجاب الأبناء، فأنجبت 6 بنات أخريات أسمتهن بأسماء مسالمة ومهادنة مثل (رقة، سكينة، درة، لولوة)، وواصلت الاعتناء بهم وقتل طموحاتهم لكي لا يصطدمن بالواقع يوماً ما. كانت تقاوم رغباتها الفطرية في الاعتماد على نفسها، حتى مرضت ابنتها وحاولت الاتصال بزوجها الذي كان في رحلة برية مع أصدقاءه مغلقاً هاتفه المحمول، فحملت ابنتها وخطفت مفتاح سيارة زوجها وحين وصلت عند الباب، قالت لها أمها: هل تعلمين يانورة ماذا حصل لآخر فتاة حاولت فعل ذلك!!!

** الصورة تعبيرية

Popularity: 44% [?]

سيرة خروف سابق !!

كانت غابة الشمال تعيش آمنة مطمئنة، يتقاسم الخراف فيها العيش والأكل بحب وتفاهم مع بقية مخلوقات الغابة من غزلان وحمام وأسود، ماعدا أحد تلك الخرفان الذي كان متمرداً على القطيع، ولم يكن راضياً عن وضعه كخروف، بل كان يؤكد دائماً أنه أسد هصور وقائد للغابة.

اجتمع الخروف مع رفاقه الذين أقنعهم بنظريته وأكد لهم أنهم يستحقون أكثر من كونهم خراف، فبدأوا يثيرون القلاقل في الغابة حتى استطاعوا أن يغدروا بالأسد الأمين الذي كان يحكم الغابة ويقتلوه، ولكنهم بعد ذلك وقعوا في حيرة، فكيف لهم أن يقنعوا وحوش الغابة بل وخرافها بقوتهم وقدرتهم على إدارة الغابة ويقمعوا أي تهديد لحكمهم؟ وبعد تفكير طويل قرر أعضاء الحزب أن يستعينوا بالغابة المجاورة القوية والتي كانت على عداء شديد مع غابة الشمال.

رحب قادة الغابة المجاورة بهم وأتفقوا معهم على أن يفتعل الطرفين حرباً ليشغلوا سكان غابة الشمال ويوهموهم بقوتهم، ووعدهم قادة الغابة المجاورة من أسود ونمور أن يثبّتوا ركائز حكمهم شريطة أن يعطيهم الخروف القائد جزءاً كبيراً من أرض غابة الشمال، فوافق دون تردد، ولكن قبل ذلك، أعطوه رأس أسد ميت ليلبسه ويوهم الناس أنه الأسد الهصور والقائد المهاب لغابة الشمال!

وبعد انتهاء الحرب وتقاسم الغنائم بين الطرفين، وصل الخروف المستأسد سريعاً لسدة الحكم وافتعل حرباً أخرى مع نفس الغابة المعادية ليرضي شعبه المحبط من نتائج الحرب الأولى، فانتصر الأسد المقنع في حربه الوهمية، ولكن ما أثار حيرة شعبه الطيب أنه لم يستعد سوى جزءاً لا يذكر من أرضه المغتصبة، التي أهداها فعلياً للقرية المعادية، فرضوا على مضض!

وبعد أن بدأت إذاعات الغابة تقنع الجميع أنه قائد الأمة العظيم، لم يكن غريباً أن يستمر في الحكم مدة طويلة بدون أي تهديد من خراف ووحوش الغابة المسالمين الذين لم يكشفوا شخصيته الحقيقية، بل كان يأكل برسيمهم ويأخذ حظائرهم ويقتل أبنائهم وهم يرتعدون خوفاً منه، وبلغ تجبر الخروف الحاكم أن جهز ابنه الخروف الصغير ليقود الغابة بعد أن يموت، فملأ صوفه الرقيق بالنياشين واشترى له رأس أسد ميت وألبسه إياه، وأعطاه أعلى المناصب حتى صدق الخروف الصغير نفسه وظن أنه أسد آخر!

وبعد أن نفق الخروف القائد وحزن عليه القليل من شعبه، تسلم الخروف الصغير الحكم وأكمل مسيرة والده في الظلم والسرقة والنهب، فكان سكان الغابة بالكاد يعيشون بينما يسكن هو وحاشيته أفخر الحظائر ويأكلون أجود أنواع البرسيم، وفي يوم من الأيام كان الغضب قد وصل مداه بأهل الغابة، فقرروا أن يثوروا على قائدهم ليطالبوا فقط بحقوقهم المسلوبة، فنظموا المسيرات الحاشدة في كل أنحاء الغابة. وحين سمع الخروف الصغير بذلك جن جنونه، فقد توهّم أن ما يفعله بالغابة هو الصواب، وحتى إن سرق، فقد سرق أبٌ له من قبل!

أصدر القائد الأسد أوامره فبدأت حاشيته من الضباع تقتل شعب الغابة، ولم تفرق بين أسد ولبوة ولا خروف ونعجة، لكن صمود سكان الغابة كان أقوى من الآلات التدميرية لملك الغابة، فاستمروا في عصيانهم حتى أحس الخروف المهاب بالخطر وقرر التنازل عن كبرياءه والظهور ليستعطف أهل الغابة ويعدهم بالإصلاحات.

وفي اليوم المشهود، لم ترض الأسود الغاضبة بوعوده فهجموا عليه ليبطشوا به، وهنا حدثت المفاجأة حيث أزال أحدهم قناعه المزيف، واكتشف الجميع أن قائدهم الأسد وأبوه ليسا سوى خروفين محتالين، يدّعيان أنهما قادة الأمة وحماتها من بطش الغابة المجاورة المعادية!

أسقط أخيراً في يد الخروف فصرخ في الحشود: لست أنا الوحيد الذي يرتدي قناعاً، أنظروا إلى أنفسكم، فأنتم أيضاً قد ارتديتم قناع الجبن وأصبحتم خرافاً ونسيتم أنكم أسود وقادة الغابة الحقيقيين، بل انظروا إلى جميع الغابات المجاورة، بماذا يختلفون عن بعض؟

ماتت أسطورة الأسد، حين وُلدت إرادة شعبه!

Popularity: 32% [?]

ثلاثة أعوام، ولازلنا نسمع الهديل

قبل ثلاثة أعوام من الآن، وفي 16 مايو 2008، انتقلت روح المدونة والأديبة هديل الحضيف إلى جوار ربها، كانت ولا تزال فاجعة كبيرة دوّت على قلوب كل المدونين والمثقفين، بل على قلوب الكثير من الناس حتى من خارج السعودية، بل ومن خارج الوطن العربي. كانت فجيعتها مؤلمة على قلبيّ أبيها وأمها، رحيلٌ خلّف أماً ثكلى وأباً مكلوم، وأفقدنا كوكباً منيراً ونجمة وضّاءة كانت تشعّ باستمرار، ابتعدت عنا لكن هيهات لها أن تخفت.

هديل كالنجوم تماماً، تموت، لكننا نرى توهجها في السماء حتى بعد أن رحلت، نرى إشعاعها يكاد يأخذ الأبصار وإن كانت تبعد عنا ملايين السنين الضوئية، هديل، نورها بيننا يحيل ظلمتنا إلى صباح لا ينطفيء.

حزنت جداً عندما زرت مدونتها فوجدتها قد أضحت أثراً بعد عين، ثم زرت مدونة والدها وقرأت مقالته المبكية التي كتبها في ذكرى وفاتها الأولى ”هديل..ماذا صنعت لهفة الرحيل؟“، جوف أب يعوي على فراق ابنته، صوته يخترق الجبال الصم، هو لا يصل للمسؤولين والتنفيذيين في المستشفيات الفارهة، لكنّي على يقين بأنه وصل لهديل، فقرأته وهي تبتسم وتقول ( ياليت قومي يعلمون .. بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ).

كم أتمنى من جميع المدونين القدامى أن يعودوا، ليكتبوا، أن يحكوا حياتهم لأجيال جديدة لن تعرفهم سوى من خلال نتاجهم، ليتهم يعودون ويغرقوننا بماء معين من تلك التدوينات التي كانت وقت هديل في أوج عظمتها، لأن التدوين رسالة سامية، نافحت من أجلها هديل حتى لقيت ربها، دوّنوا لكي لا ننسى هديل.

كنت قد كتبت فيها رثاء يوم وفاتها، تلك الجمعة التي لقيت ربها فيها، ولم يقدر لرثائي أن يصل إلى والدها الدكتور محمد الحظيف، ولكنه نشر في الكتاب الإلكتروني ”أجمل ما قيل في رثاء الهديل“ الذي صدر عن رامي عوض (صاحب مدونة أبو عبدالله) في مايو 2009، وها أنذا أعيد نشر الرثاء بعد 3 أعوام من وفاتها، رحمها الله وأسبغ عليها رحمة من لدنه، وجمعنا بها وبوالدها في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

***

بربك ِ هل لنا حقاً لقاء ُ؟ ** وهل يوماً سيرجعك البكاء ُ؟

وهل سيزفنا صوت الهديل ِ ** إلى رؤياك إن أبت السماء ُ

ألا عمر ٌ فندفعه إليها ** ونفديها إذا شح العطاء ُ

وهل موت يرد ّ فتتقيه ** ألا هل للمواعيد اتقاء ُ؟

ولو أن القضاء له بديل ٌ ** فإنَّـا دون وردتنا فداء ُ

أعيني بالدموع الزرق جودي ** فإن اليوم حلت كربلاء ُ

سنبكي ياهديل عليك دهراً ** ستقطر من محاجرنا الدماء ُ

وما من ظلمة ٍ إلا سيأتي ** لنا من بعد عتمتها ضياء ُ

هديل ُ أضيّعوك اليوم منا ؟ ** أحل بزهرة التوليب داء ُ؟

أضاعوها وأي (صبا ً) أضاعوا ** أضاعوها وما فاد النداء ُ

أضاعوا الكوكب الوضّاء منا ** فشقوتنا وشكوتنا سواء ُ

أضاعوها وما حسوا بحزن ٍ ** كأن على بصائرهم غشاء ُ

وهل شرب القراح بمستطاع ٍ ** إذا انكسرت بأيدينا الدلاء ُ

إلهي قد أخذت هديل منا ** فعفوك يا عفوُّ لمن تشاء ُ

أجرها من عذاب القبر ربي ** بلطف ٍ منك ليس له انتهاء ُ

وأسبغ رحمة تمحو الخطايا ** فما لمؤمّل ٍ فيها شقاء ُ

فإن رحلت هديل اليوم عنا ** فبالفردوس فليكن اللقاء ُ

Popularity: 43% [?]

أولئك الذين لا نتحدث عنهم

عندما نخاف من شيء، نخشى الحديث عنه، ومع الوقت يتحول ذلك الخوف إلى هاجس، ثم إلى شيء لا نعرف سببه لكننا مؤمنون بخشيته إيماناً عميقاً، لا نحاول سبر أغواره بل نتحاشى الخوض فيه ونحيطه بسور عازل من القدسية الوهمية، ثم نضفي عليه أسلاكاً شائكة تمنع الجميع من معرفة كينونة تلك القدسية، وبعد زمن، عندما يحاول أحد كسر ذلك، نتحول جميعاً للدفاع عن قدسية معتقدنا!

قبل عدة أعوام شاهدت فيلماً رائعاً اسمه “القرية” The Village، يتحدث عن قرية هادئة معزولة تعيش في أواخر القرن التاسع عشر، يعتقد سكانها أن هناك مخلوقات شريرة تعيش في الغابات المحاذية، لذلك فهم لا يخرجون أبداً من القرية لكي لا تهجم تلك المخلوقات عليهم، والمثير في الأمر أن سكان القرية لا يعرفون كُنه تلك المخلوقات، ولا يتحدثون عنها خوفاً منها، ويطلقون عليها اسم “أولئك الذين لا نتحدث عنهم” Those we don’t speak of! هم فقط يتبعون أوامر حكماء القرية الذين أوهموا الناس بأنهم يجب ألا يفعلوا ذلك أبداً، فعزلوهم عن العالم الخارجي وجعلوهم أسرى للخرافات.

وذات يوم قررت فتاة ضريرة كسر ذلك “التابو” وقطع الغابات للحصول على علاج لصديقها، فوصلت إلى نهاية الغابة وتجاوزت الأسوار الشائكة، ووجدت عالماً آخر. اكتشفت أنهم يعيشون في الألفية الثالثة وليس في القرن التاسع عشر! والمخلوقات الشريرة التي تحيط بالقرية ليست إلا خرافة اختلقها “حكماء القرية” ليجعلوهم أسرى لذلك الخوف والوهم، ولا يخرجوا من القرية أبداً. أما سخرية القدر، فهي أن فتاة ضريرة هي من شاهدت ماعجزوا عن رؤيته!

الأشياء لدينا تسير بهذه الطريقة، حياتنا تقتات على الخرافات والوهم. أشخاص ومعتقدات “لا نتحدث عنهم” ونحيطهم بهالة كبرى من القدسية، ولو رفعنا الغشاوة عن أبصارنا قليلاً لوجدنا الحقيقة المفجعة، جل ما نتبعه أوهام وعادات بالية، وخوف مترسب من تجاوز الخطوط الحمراء التي أنشئها لنا حكمائنا وأصبحنا لا نتخطاها، أوهمونا بها لنظل في عزلة ثقافية وحضارية عن العالم.

كل دول العالم تمتطي ركب الحضارة، ولا ترضى بهضم حقوقها أبداً، ولا تقبل بمصادرة حقها في التفكير والتقرير، ما عدا دولنا العربية البائسة. فكلما حاول أحد أن يكسر القيد، خرج له “أولئك الذين لا نتحدث عنهم” وأفتوا بحرمة ما يفعل، ثم قبض عليه “أولئك الذين لا نتحدث عنهم” وأودعوه السجن.

ومن الأشياء التي “لا نتحدث عنها” التقاليد القديمة، والأفكار المتوارثة، التي لو أمعننا فيها قليلاً لأيقننا أننا نجعل من أنفسنا أضحوكة باتباعها. أفعال لا نعلم لها أصلاً أصبحت أساسيات في حياتنا، أفكار ساذجة أصبحت حقائق أكيدة. مجرد الحديث عن تلك الأشياء يجعلنا عرضة للهجوم المبرح!

أما المضحك فهو أننا لا زلنا نتعايش مع قيود جديدة، فمثلاً في السعودية، وبعد أن تم منع انتقاد “أولئك الذين لا نتحدث عنهم“، أضحى الجميع يخشى الحديث عنهم، وعن أي فتوى يصدرونها مهما كان مقدار الضحك فيها، وستتوالى السنين لتصبح تلك الأوهام والخرافات حقائق ومسلمات. لا أدري حقيقة كيف يقبل “أولئك الذين لانتحدث عنهم” أن يحصلوا على القداسة مقابل الولاء (على وزن النفط مقابل الغذاء)!

“أولئك الذين لا نتحدث عنهم” كثيرون، فمنهم المثقف، والحاكم، والشيخ، والمسؤول، والتاجر، والليبرالي، والمفكر. كثيرة هي الأصنام في رقعتنا. كلهم يحيطون حياتنا بالأوهام ويأخذون قدسيتهم من شعارات يروج لها المنافقون، وخرافات يمضغها العامة بسذاجة. أما حينما يسقط صنم، فالجميع ينقلب ضده، وهكذا حصل لمبارك وبن علي عندما سقط صنماهما، وللقذافي وبشار وصالح وغيرهم حين تداعت أصنامهم، العوام اكتشفوا أنهم خدعوا بهم ولعنوا ساعتهم، والمتلونون تخلوا عنهم سريعاً، والبقية كانوا يحذرون منهم قبل سقوطهم، وفرحوا بذلك بعده، وفي جميع الأحوال، يكتشف الصنم فجأة أن لا أحد يحبه، ويعرف إلى أي مدى كان حقيراً!

صحيح أن انتقاد “أولئك الذين لانتحدث عنهم” يعد من المحظورات، ومن إثارة الفتنة! لكن الخوف من الوهم يبدو أشبه بالمستحيل في زمن الإنترنت والتويتر والفيسبوك. فلا منع ولا غيره سيوقف أحداً عن التفكير، والتخطيط لمستقبل أفضل لمجتمعه. يجب أن يوقن الجميع أن جيل اليوم لم يعد تنطلي عليه ألاعيب الأولين، والكثيرون لم يعودوا يقبلون برأي قبل أن يقلّبوه يمنة ويسرة، ثم يصدرون حكمهم. لم تعد نظرية “لا أريكم إلا ما أرى” سارية المفعول، لأن الفكر البشري يتقدم بسرعة، ولسنا بمنأى عن العالم.

لا يمكن للحضارة أن تقوم في مجتمع يرفض إعادة النظر فيما يعتقد أنه مسلمات، (وأنا هنا لا أتحدث عن الثوابت والمباديء لكي لا يفسر حديثي بشكل خاطيء، بل أتحدث عما يظنه البعض مسلمات وهو على خلاف ذلك). التقدم العلمي لا يمكن له أن يزدهر إلا حين نخضع كل شيء للتجربة والبرهان، ولنا في حضارتنا خير مثال، عندما ملكنا ما سمّي يوماً بالأندلس، فنشرنا الضياء لأوروبا قاطبة، وسنعود بإذن الله، فقط عندما نحرر عقولنا من مستعمرها.

Popularity: 47% [?]

رسالة من مواطن غبي

قررت مؤخراً أن أتبنى حملة عربية على الفيسبوك هدفها بسيط جداً، لا أهدف إلى إسقاط نظام ولا إلى ملاحقة مفسد كما يفعل بعض الأغبياء، أبداً. هدف الحملة الوحيد هو محو محو الأمية، وكلمة (محو محو) ليست مكررة كما قد يتبادر إلى ذهن أي ذكي، بل هي في محلها تماماً، أهدف إلى محو (محو الأمية)، لنعود شعباً بسيطاً وغبياً، آه ما أجمل كلمة الغباء!

فقد أسعدنا أحد أعضاء مجلس الشورى من دكاترتنا العظماء ممن درسوا في أمريكا وتشبعوا بغاز الحرية وتكرم وتنزّل علينا وأصبح صديقاً وفياً لنا في موقع تويتر، وأفرحنا بأن أهدانا ذات يوم وجبة لذيذة من (التبن) جعلتنا نبكي فرحاً، ثم نعتنا بالأغبياء، لأننا قد كدرنا صفو رؤوسائنا ووزرائنا ومسؤولينا العرب الكرام بغبائنا المستفحل بل (ونحمد ربنا) أنهم رضوا بنا! وكدت من شدة التأثر أن أخلع نعالي (وانتو بكرامة) وألصقه في وجهه الطري المخملي الجميل.

لسوء حظي أني ولدت ذكياً ككثير من أبناء جيلي من العرب، ولسوء حظي بلغ معدل ذكائي حسب آخر قياس 130، لكني لم أعد أدري الآن ماذا أفعل لكي أصبح غبياً، فلا يوجد في مملكتنا الحبيبة أي معهد مرخص لتعليم الغباء أو لتخفيض معدلات الذكاء، أو لمحو الشهادات الدراسية. المصيبة أنني أدرس الماجستير حالياً وذلك من شأنه أن يجعلني ذكياً كمعالي البروفيسور الذكي (أجلكم الله) وأنتم تعلمون ما قد يحصل لي حينها!

وكإبن من أبناء الوطن العربي المعطاء أرفض بشدة كل محاولات الشعوب الارتقاء على أكتاف الأذكياء من المسؤولين والرؤوساء أدام الله بقائهم، انظروا ماذا جنيتم من التعليم غير الدمار والخراب والتشبه بشياطين الإنس من الأذكياء، هل أسقطتم رئيساً؟ رئيسين؟ وماذا بعد؟ بقي عشرون شيطاناً يجثمون على صدوركم ولا تستطيعون فعل شيء لهم، لأنهم أذكياء وأنتم (أغبياء جهلة متخلفون)، لا تغضب عزيزي العربي الغبي فهذا ليس كلامي بل كلام معالي الدكتور العظيم الجهبذ حبر الأمة وعضو مجلس الشورى، أتمنى أن تعرفوه بأنفسكم ولا تقولوا كما قال بني إسرائيل (إن البقر تشابه علينا)!.

الآن فقط عرفت نعمة الغباء، فمن ميزاته أن تذهب للعمل (باللهجة السعودية: تدربي دميجتك) وتقترض بعض المال من مديرك لتشتري كيس أرز صغير وتعود إلى بيتك المتهالك لتأكل وجبة غداء لذيذة ثم تختمها بتبن (وليس لبن!) وتنام لتصحو في اليوم الثاني وأنت تدعو للمسؤولين بطول العمر، ثم تعتلف بعض التبن الذي يقويك على العمل مرة أخرى، فلا تفكر في مجتمع ولا تحمل هم أمة، وش دخل (أمّنا) أصلاً، نحمد ربنا أنهم تحملونا!

صدق معمر القذافي قائد ثورة الفاتح من سبتمبر وزعيم العرب وملك ملوك أفريقيا ورئيس رابطة مشجعي كوكب زحل حينما قال أن مشكلته الوحيدة هي أنه يحكم شعباً عربياً!

من المعيب حقاً أن المسؤولين يتعبون ويسهرون ليل نهار ونأتي لنبربر في الانترنت ونطالبهم بأكثر مما يعملون وخصوصاً أعضاء مجلس الشورى الأحباء! ألا يكفي أنهم أفنوا أعمارهم في العمل من أجلنا ولم يبنوا قصوراً أبداً بل سكنوا إلى جانب مساكننا الضئيلة المقرفة وقاسمونا وجبات التبن اليومية؟ ألا يكفي أنهم ينامون في جلسات مجلس الشورى بسبب سهرهم طوال الليل وهم يقرؤون شكاوينا ومطالبنا؟

ألا يكفي أنهم حملوا همومنا ونقلوها لولي أمرنا و(شقوا جيوبهم) عنده وهم يطالبون؟ ألا يكفي أن أحد أعضاء مجلس الشورى الموقر أطل علينا في الجرائد ليخبرنا بعزمه دخول موسوعة جينيس للأرقام القياسية بعد أن جمع آلاف علب الكباريت، ليرفه بها قليلاً عن نفسه بعد أن نكدنا عليه عيشته بمطالبنا؟

يا ناس عيب والله عيب، بدلاً من ذلك دعونا نفكر جدياً في حملة محو محو الأمية، فلا نريد أن نصحو ذات يوم وقد أصبحنا أعضاء مجلس شورى أذكياء، فنصبح مثل صديقنا الثور راعي التبن (مع الاعتذار لشعب الثيران)! وأعدكم جميعاً بمناصب في مجلس الحملة، وقد نتطور قليلاً فنجعل مجلسنا منتخباً من الشعب (كالعالم المتحضر) ليصبح مجلساً يمثل شعوبنا الغبية تمثيلاً حقيقياً.

إلا ما تلاحظون ان أعمار مسؤولينا طويلة جداً؟ بل ربما أطول من عمر إبليس اللعين نفسه، أتوقع أن السبب هو أننا (على الجاية والرايحة) ندعو لهم بطولة العمر، لأننا أغبياء جداً، قصف الله أعمارنا وأطال أعمارهم!

Popularity: 55% [?]

ارحل وعارك في يديك

في 17 ديسمبر أحرق محمد البوعزيزي نفسه احتجاجاً على البطالة، وبعد أقل من شهر هرب الجبان (زين العابدين بن علي) مخلفاً كرسيّه وراءه، وملايين الشعوب الغاضبة. أحفاد أبي القاسم الشابي أرادوا الحياة، فاستجاب لهم القدر، ما أقوى تلك الإرادة التي حفظت بعض الكرامة للعرب، كرامة فقدناها وصلينا عليها قديماً ولم نعد نعرفها.

نفس الثورة التي ثارها سود أمريكا على التفرقة العنصرية، حين كان البيض يضطهدونهم بل ويمنعونهم من الركوب في المقاعد الأمامية بالحافلات، لكن إمرأة زنجية رفضت ذلك، فقامت ثورة السود في أمريكا يقودها مارتن لوثر كينج، حتى نالوا حقوقهم كاملة، وبعد أربعين سنة، أصبح رئيس الدولة رجل أسود!

هي نفسها ثورة الفرنسيين حين قتلوا ماري إنطوانيت التي أججت الشعب عندما مرت على مجموعة من الجوعى الذين لايجدون الخبز، فقالت ساخرة: “لم لا يأكلون البسكويت!”، فثار عليها الشعب الحر وقتلها هي وزوجها لويس الثاني عشر وأشرقت شمس الحرية في فرنسا.

الثورة نفسها التي ثارها الرومان فقتلوا نيكولاي تشاوشيسكو وزوجته إيلينا بعد أن طفح بهم الكيل من ظلمهم واستبدادهم. وهي نفسها التي غضب لأجلها أبناء تونس.

الحرية، هي خبز الشعوب الذي يموتون من دونه، يجب أن تعلم الحكومات الديكتاتورية ذلك. فدون الحرية لا وجود لأي شيء. الحرية هي التي تضمن العدل والأمن، وتوفر الخبز والماء، ولا يفعل ذلك أي شيء آخر. حتى أمن الحكومات يضمنها وجود متنفس وهامش من الحرية وحق التعبير، بدلاً من القمع والظلم والكبت.

البوعزيزي مات، لكنه أحيا ملايين القلوب التي ماتت. رحمك الله يا شهيد الحرية.

يقول فاروق جويده* وكأنه يخاطب بن علي:

كل الذي أخفيته يبدو عليك
فاخلع ثيابك وارتحل
اعتدت أن تمضي أمام الناس
دوماً عارياً..
فارحل وعارك في يديك!
لا تنتظر طفلاً يتيماً بابتسامته البريئة
أن يقبل وجنتيك
لا تنتظر عصفورة بيضاء
تغفو في ثيابك
ربما سكنت إليك
لا تنتظر أماً تطاردها دموع الراحلين
لعلها تبكي عليك
لا تنتظر صفحاً جميلاً
فالدماء السود مازالت تلوث راحتيك
وعلي يديك دماء شعبٍ آمنٍ
مهما توارت لن يفارق مقلتيك
كل الصغار الضائعين
علي بحار الدم في (قرطاج) صاروا‏..‏
وشمٍ عارٍ في جبينك
كلما أخفيته يبدو عليك!!
كل الشواهد من (صفاقس) (للمروج)
الآن تحمل سخطها الدامي
وتلعن والديك!!
ماذا تبقي من حشود الموت
في (تونس)‏..‏ قل لي
لم يعد شيء لديك
هذي نهايتك الحزينة
بين أطلال الخرائب
والدمار يلف (تونس)‏
والليالي السود‏..‏ شاهدة عليك
فارحل وعارك في يديك
الآن ترحل غير مأسوف عليك‏..‏

* فاروق جويده – بتصرف بسيط

Popularity: 35% [?]

كلنا نستحق فرصة أخرى

لم يدر بخلد المتشرد تيد ويليامز عند نومه ذات يوم على أحد أرصفة شوارع مدينة كولومبوس بولاية أوهايو أنه سيستيقظ ليجد نفسه حديث العالم، ويتغير حاله من متسول إلى نجم تتسابق عليه كبريات الشركات والمحطات الإعلامية في أمريكا.

لمن لم يسمع بقصته، تيد وليامز، هو رجل بسيط، فقير، مشرد، عانى كثيراً في حياته التي كانت مدمرة أصلاً، بلغ الثالثة والخمسين من عمره دون أن ينجح في أي مجال بالحياة، تزوج وأنجب تسعة أطفال ثم هجرهم جميعاً ولم يستطع تولي مسؤوليتهم، بدأت حالته تتدهور منذ العام 1993 أي قبل 18 عاماً، فدخل السجن بعد قضية سطو وسرقة، وأدمن الكحول والمخدرات، وبقي متشرداً لا يهتم سوى بتوفير قوت يومه، كل ذلك الألم والضياع لم يغنه في النهاية عن معرفة الحق والعودة لنداء الإنسانية، فترك المخدرات والكحول في العام 2008 وأصبح في الشارع، يقف بجانب إشارات المرور في ولاية أوهايو طمعاً في أن يحن عليه قلب فيرمي له بعضاً من الدولارات.

لكن تيد، لديه موهبة مميزة جداً، وعجيبة، صوته كان أشبه بالسحر! ذلك الصوت جذب أحد المارة ليسجل له مقطعاً وينشره في اليوتيوب، وخلال أيام فقط، شاهد المقطع أكثر من 20 مليون شخص، ووصل لقنوات كبرى مثل CNN, CBS, NBC، وكل القنوات والصحف الشهيرة بل وقدمت له إحدى الشركات عرضاً للعمل بالإضافة إلى منزل! كل ذلك حصل في ثلاثة أيام فقط!

أعترف أن ذلك الرجل أثر فيّ كثيراً، لأنه يستحق أن يمنح فرصة جديدة ليصحح حياته. في الحقيقة كلنا نستحق فرصة ثانية، مهما ساءت الأمور فهناك وقت للعودة والنجاح، وهناك دائماً أمل في النهوض والعودة لتصحيح الأخطاء والمضي قدماً.

يقول تيد ويليامز: “الله طيب جداً، في العام 2010 أحدهم أعطاني مفكرة لكتابة ما فعلته في هذا العام، كنت سأكتب: سنة أخرى ضائعة! لكنها كانت السنة التي وجدت فيها الله في حياتي”، ما أود قوله، لا أحد يعلم ماذا سيكون عليه في الغد، ولكن ماذا يضر إن أنت منحت لنفسك الفرصة لتغيير نفسك للأفضل، ومنحت للآخرين أيضاً ذات الفرصة؟

يقول أيضاً أن أباه مات قبل أن يشاهده رجلاً صالحاً، وكان يرجو أن لا تغادر أمه الحياة قبل أن تشاهده بحال أفضل. أمه لم تمت، فهي قد بلغت الثانية والتسعين من العمر، ولم يرها منذ قرابة العشرين عاماً، لكنه سعيد جداً بأنها ستشاهده الآن وهو بهذه النجومية.

نحن دائماً نحكم على الأشخاص وفق نظرتنا المسبقة وقناعاتنا المترسخة، لا نمنح الآخرين أي فرصة ليبرروا ما يفعلونه، ولا نمنح أنفسنا بعض الوقت لنعرف حقيقة الأمر، أن الجميع لديهم فطرة طيبة حتى لو غلفها قلب قاسٍ أو زمن صعب بالعديد من الأغلفة. حتى أسوأ الأشخاص لديهم بلا شك بعض الدوافع الطيبة ليفعلوا تلك الأشياء القبيحة. أنا لا أدعو للتسامح مع الأشخاص السيئين، فقط لنتسامح مع أنفسنا، ولنعطي دوماً فرصة أخرى لمن وجد النور في طريقه بعد أن جلله الظلام كثيراً.

تيد أصبح الآن هو النجم الأول في أمريكا، ولا يمكن أن يمر يوم دون أن تجد أخباره في أهم الصحف المطبوعة والبرامج التلفزيونية الأمريكية، حصل على عروض كبيرة لتحسين مستوى معيشته، التقى بأمه العجوز، قابل الدكتور فيل ويأمل أن يطور ذلك من نظرته للأمور لكي لا يعود كما كان بالسابق، قدم إعلاناً تجارياً لشركة كرافت، وأخيراً وصل إلى معقل السينما العالمية “هوليوود” لبحث عدة عروض لبرامج وأفلام قد يشترك فيها.

هذا المشرد مجرد مثال نستطيع أن نسقطه على واقعنا ونتعلم من قصته. ليس من العدل أن نقاضي الآخرين لظاهرهم، فوراء ذلك قد تختبيء عشرات القصص الطيبة. نقدنا لهم أمر صحي، لكن ليس فطرياً أن ننتقدهم فقط كي ننتقم منهم، أو لأن مبادئنا الموروثة تتعارض مع معتقداتهم. لنعطهم فرصة جديدة إذا سعوا لها.

Popularity: 36% [?]

Return top

.

” أدون لأن لدي رأي، ولن أجبر على النكوص عنه، لن يسعكم إلا سماعه، ولن أسكت حتى أعبر عنه، هو ليس بالضرورة رأي صائب، وقد لا يتفق مع مالديكم من آراء ومعتقدات، ولكن هو رأي، ويستحق الإصغاء. “